محمد محمد أبو موسى

145

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

لأنك تسوى فيه كما تسوى في الاستفهام ، فالتسوية أجرته على حرف الاستفهام ، والاختصاص أجرى هذا على حرف النداء وذلك قولك : ما أدرى أفعل أم لم يفعل ؟ فجرى هذا كقولك : أزيد عندك أم عمرو ؟ وأزيد أفضل أم خالد ؟ إذا استفهمت لأن علمك قد استوى فيهما كما استوى عليك الأمران في الأول ، فهذا نظير الذي جرى على حرف النداء وذلك قولك : أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل ، ونفعل نحن كذا وكذا أيها القوم ، وعلى المضارب الوضيعة أيها البائع ، واللهم اغفر لنا أيتها العصابة » « 46 » . وقد أشار ابن جنى إلى خروج الاستفهام عن معناه وذكر في ذلك شواهد تكررت كثيرا في هذا الباب ، وله فيه إشارات قيمة منها أن الاستفهام الذي يخرج عن معناه يظل ملاحظا لهذا المعنى ناظرا اليه ، وهذه فكرة شغل ببيانها عبد القاهر وأشار إليها في الاستفهام ، كما أشار إليها في باب الاستعارة حيث يقرر أن كلمة « الأسد » حين يراد بها الرجل الشجاع تستصحب كثيرا من معناها الأصلي أي الحيوان المفترس ، فلذلك ترسم في خيالك صورة الرجل في هيئة الأسد وعبالته . يقول ابن جنى : « ومثله خروج الهمزة عن الاستفهام إلى التقرير ، ألا ترى أن التقرير ضرب من الخبر وذلك ضد الاستفهام ، ويدل على أنه قد فارق الاستفهام امتناع النصب بالفاء في جوابه والجزم بغير الفاء في جوابه . . . ولأجل ما ذكرنا من حديث همزة التقرير صارت تنقل النفي إلى الاثبات والاثبات إلى النفي وذلك كقوله : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح أي أنتم كذلك ، وكقول اللّه عز وجل : « آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ » « 47 » ، و « أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ » « 48 » ، أي لم يأذن لكم ولم تقل للناس

--> ( 46 ) الكتاب لسيبويه ج 1 ص 326 ( 47 ) يونس : 59 ( 48 ) المائدة : 116